الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

113

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

الأخضر إلى السواد ليمسك الأبصار المتقلبة عليه فلا ينكأ فيها بطول مباشرتها له ، فصار هذا الذي أدركه الناس بالفكر والروية والتجارب يوجد مفروغا منه في الخلقة ، حكمة بالغة ليعتبر بها المعتبرون ، ويفكّر فيها الملحدون ، قاتلهم اللّه أنّى يؤفكون ( 1 ) . « والهواء » في ( توحيد المفضل ) - بعد ذكر حكمة كثرة ماء البحار - وهكذا الهواء لولا كثرته وسعته لاختنق هذا الأنام من الدخان والبخار الذي يتحيّر فيه ويعجز عمّا يحول إلى السحاب والضباب أولا أولا ( 2 ) . « والرياح » في ( توحيد المفضل ) : انبّهك على الريح وما فيها ، ألست ترى إذا ركدت كيف يحدث الكرب الذي يكاد أن يأتي على النفوس ويمرّض الأصحاء وينهك المرضى ويفسد الثمار ويعفن البقول ويعقب الوباء في الأبدان والآفة في الغلات ففي هذا بيان أن هبوب الرياح من تدبير الحكيم في صلاح الخلق ، وأنّبئك عن الهواء بخلّة أخرى ، فإن الصوت أثر يؤثره اصطكاك الأجسام في الهواء والهواء يؤديّه إلى المسامع ، والنّاس يتكلّمون في حوائجهم ومعاملاتهم طول نهارهم وبعض ليلهم ، فلو كان أثر هذا الكلام يبقى في الهواء كما تبقى الكتابة في القرطاس لامتلأ العالم منه ، فكان يكربهم ويفدحهم ، وكانوا يحتاجون في تجديده والاستبدال به إلى أكثر مما يحتاج إليه في تجديد القراطيس ، لأن ما يلفظ من الكلام أكثر مما يكتب ، فجعل الخلّاق الحكيم جلّ اسمه هذا الهواء قرطاسا خفيا يحمل الكلام ريثما يبلغ العالم حاجتهم ثم يمحى فيعود جديدا نقيّا ، ويحمل ما حمل أبدا بلا انقطاع ، وحسبك بهذا النسيم المسمّى هواء عبرة وما فيه من المصالح ، فانهّ حياة هذه الأبدان ،

--> ( 1 ) توحيد المفضل : 127 ، والنقل بتصرف يسير . ( 2 ) توحيد المفضل : 146 .